لوحات رشيد بوحامدي.. ملاذ المنسيين والمنبوذين
تم نشره منذُ 1 شهر،
بتاريخ: 25-10-2025 م الساعة 06:45:04 الرابط الدائم: https://newsformy.com/news-2369397.html في :
اخبار سياسية بواسطة المصدر :
العربي الجديد
رغم أنه لم يزر بلده إلا في مرحلة متأخرة، فإن الذاكرة المغربية تظلّ حاضرة في أعمال رشيد بوحامدي عبر الزخرفة، والألوان، والنباتات، والحنين إلى البيت. لكن إقامته في الولايات المتحدة تضيف إلى تجربته بعداً هجيناً. هذه الهوية المزدوجة تتحول في أعماله من مأزق إلى محفّز إبداعي.
لا يقدّم بوحامدي في معرضه الجديد "مملكة الملاذ"، الذي يتواصل في رواق ضفاف بمقر مؤسسة الحسن الثاني بالرباط حتى الثالث من الشهر المقبل، مجرد ألوان متقدة أو أشكال زخرفية تستعير جمالياتها من التراث، بقدر ما يشيد مدينة وحديقة من رموز وأساطير.
بوحامدي، الذي نشأ في الولايات المتحدة من أب مغربي وأم فرنسية، يختزن في أعماله هذه السيرة الموزعة بين ثقافات متنافرة. لا يتعامل مع اللون باعتباره وظيفة تزيينية، وإنما قوة قادرة على إعادة تشكيل المزاج. الألوان عنده (الأزرق، والأخضر، والأحمر...) مشبعة، نابضة، متناقضة أحياناً، لكنها تظل محكومة بإيقاع داخلي يمنعها من الانفجار في فوضى عارمة.
تتحول المرأة في أعماله إلى رمز للكرامة والجمال المهدور
هناك ضوء يخرج من عمق اللوحة لا من خارجها، كأن اللوحة كائن يتنفس من الداخل. إذا كان اللون عند بوحامدي هو الإيقاع النفسي، فإن الزخرفة هي البنية المعمارية للوحة. متأثراً بالزليج المغربي والعمارة الإسلامية، يشتغل على النمط كونه أداة للتماوج لا خلفية ثابتة. الزخرفة هنا تفوق كونها إطاراً جامداً إلى اعتبارها جزءاً من الجسد، من النبات ومن الحركة.
في كثير من أعمال هذا الفنان تنمو نباتات استوائية أو غريبة وسط فضاء زخرفي مألوف، النبات عنده رمز للانفلات، للذاكرة المتعددة التي ترفض أن تُختصر في وطن واحد.
من جهة أخرى، لا تظهر المرأة عند بوحامدي شخصية مرسومة فحسب، وإنما كياناً أسطورياً. هي رمز للخصوبة، للذاكرة، وللألم أيضاً، وتتجاوز كونها جسداً مرسوماً لتصير مرآة للهوية المزدوجة وللجماعة المهمشة. هكذا تتحول الأنثى إلى رمز للكرامة والجمال المهدور، وإلى استعارة عن قوة الحياة في مواجهة التلاشي.
إحدى لوحات المعرض تكشف بجلاء هذه العلاقة المركبة بين الطبيعة والإنسان، إذ نرى نبات المونستيرا وموطنه الأصلي أميركا الوسطى، بأوراقه الضخمة يهيمن على فضاء اللوحة، فيما تتوارى في الركن الأسفل شخصية أنثوية جالسة، كأنها تبحث عن مأوى أو توازن وسط الزخم البصري.
هذا التناقض بين طغيان النبات وهشاشة الجسد يعكس ثنائية الألفة والاغتراب؛ الطبيعة هنا تمثّل قوة طاغية تكاد تبتلع الإنسان، فيما يظل الأخير متردداً بين الحضور والاختفاء.
في لوحة أخرى، يغمر المشهد الأخضر بدرجاته المختلفة، فتحضر الغابة كأنها عالم كامل بذاته، وبين تشابك الألوان والخطوط المنحنية، تظهر أجساد بشرية مرسومة بخطوط بنفسجية وحمراء، تتمايل أو ترقص في قلب النباتات. هنا، تتحول اللوحة إلى فضاء احتفالي، حيث يذوب الإنسان في الطبيعة ضمن رقصة جماعية أشبه بطقس روحي.
الحركة تمنح المشهد طاقة إيقاعية، بينما الأوراق تتكرر. أعمال المعرض تقدّم مثالاً عن أسلوب بوحامدي في دمج التجريد التعبيري (أجساد بلا تفاصيل دقيقة) مع الرمزية. فالجسد لا ينفصل عن النبات، ويصير جزءاً منه، كما لو أن الإنسان أخيراً يعود إلى حضن الطبيعة.
في هذه القراءة، الملاذ اندماج مع الأصل الأول: الغابة، والرقص، والتكرار الإيقاعي. عنوان المعرض ليس مجرد جمالية لغوية، بل هو مفتاح قراءة. "مملكة الملاذ" تعني عند بوحامدي أكثر من فضاء تخييلي، وعن ذلك يقول: "إنها مدينة بديلة يسكنها المطرودون والمنسيون والمهمشون. في هذا العالم، لا مكان للاغتراب والخوف، هنا حضن بصري يرمم الذات". اللوحات ليست إنكاراً للواقع بقدر ما هي محاولة لتصويبه، إنها إعادة بناء لحياة ممكنة في قلب التصدع.
مشاركة الخبر: لوحات رشيد بوحامدي.. ملاذ المنسيين والمنبوذين على وسائل التواصل من نيوز فور مي