صنع الله إبراهيم في مرايا محبّيه... شهادات أدبية وإنسانية
تم نشره منذُ 4 اسبوع،
بتاريخ: 07-11-2025 م الساعة 06:00:04 الرابط الدائم: https://newsformy.com/news-2377879.html في :
اخبار سياسية بواسطة المصدر :
العربي الجديد
صنع الله إبراهيم، قبل أن يكون كاتباً، هو الإنسان الذي استقرّت فيه وحدة المبادئ واتساق الفعل مع الفكر؛ هذا الاستقرار يظهر بوضوح في صفحات كتاب "صنع الله إبراهيم في مرايا محبّيه" (دار الثقافة الجديدة، 2025)، بإعداد وتقديم نادية الجندي وحمزة قناوي، اللذين جمعا شهادات شخصية لأصدقاء وقراء أعماله، إلى جانب دراسة نقدية لتجربته الأدبية.
الكتاب، الممتد على فصول تتنوّع بين السردي والنقدي والحميمي، يشكّل وثيقة إنسانية تضيء شخصية الكاتب من زوايا لم تكن معروفة للقراء.
في شهادة ابنته نادية الجندي، يطلّ الأب من وراء صورة الكاتب الملتزم، وحضوره اليومي الفاعل في حياة أسرته، واشتراكه في التفاصيل الصغيرة التي تصنع عمق الحياة. تطلق عليه نادية منذ طفولتها لقب "صُنصُن"، وتروي كيف كان يصغي إليها منذ كانت في السادسة من عمرها، يشاركها التجارب العلمية الصغيرة، ويقودها إلى حب القراءة والاكتشاف. بين القصص التي كان يحكيها قبل النوم، والرحلات البحرية التي كانت تجمعهما، تتبدّى شخصية تصهر الحنان بالصرامة، والتربية بالتفكير النقدي.
يجمع الكتاب بين شهادات الأصدقاء وآراء الأدباء والمثقفين
وتأتي شهادة زوج ابنته عادل عوض، أستاذ الفيزياء النظرية، لتضيف بعداً آخر لتلك الصورة، إذ يصف كيف تحوّل صنع الله من كاتب يحضُر ندواته إلى صديق حميم في منزلٍ مفتوح على الحوار والنقاش.
يبرز من شهادته التزام الكاتب بدقّة العيش ونظامه اليومي؛ فهو الذي كان يشارك في الأعمال المنزلية بنفسه، يطبخ، ويغسل الصحون، وينظّم وقته بين القراءة والكتابة والحديث مع أحفاده. كل ذلك ليس بدافع التقشّف، بل تعبير عن فلسفة في الاستقلال الذهني والعملي، تقوم على البساطة والانضباط والاحترام العميق للوقت والعمل.
تتنوّع الشهادات في الكتاب بين أفراد العائلة وأصدقاء السجن والمثقفين والكتّاب الذين عرفوه عن قرب، فمراد منير ومحمد توفيق يتحدثان عن انضباطه الأخلاقي وصلابته في المواقف، مقرونين بإنسانيته ودفئه في العلاقات. وفكري أندراوس يعيد إلى الذاكرة سنوات النضال الشيوعي والسجن، وما كشفت عنه تلك المرحلة من صلابة في المبدأ ووضوح في الرؤية.
هذه الشهادات تشكل استعادة لمسار مثقف ظلّ يرى في الأدب وسيلة لفهم المجتمع ومساءلة السلطة وتفكيك بنية الظلم.
في الفصول النقدية التي كتبها حمزة قناوي وربيعة جلطي، تتجلى خصوصية التجربة الروائية لصنع الله إبراهيم، في قدرته على المزج بين التوثيق الصحافي والخيال الأدبي، وتحويل المادة الواقعية إلى سرد مكثّف يلتقط التحولات الاجتماعية والسياسية من داخلها.
الرواية عنده ليست حكاية بقدر ما هي مختبر للواقع، تمتح من الذاكرة والتاريخ اليومي في آنٍ، وتعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والتاريخ عبر لغةٍ مقتصدةٍ دقيقةٍ، تُحيل الواقع إلى سؤال مفتوح لا إلى حكاية مغلقة.
أما محمد برادة في نص له تحت عنوان "كوميديا الجحيم"، فيعيد وضع تجربة صنع الله في سياقها الفكري والثقافي الأوسع، معتبراً أن مشروعه الروائي يقوم على فكرة "الكتابة بوصفها معرفة"؛ فالنص عنده مساحة لمساءلة الذات والواقع في تفاعلهما المتوتر. ويرى أن التزامه لم يكن شعاراً سياسياً، وإنما رؤية معرفية متكاملة تسعى إلى إعادة إنتاج الوعي الجمعي من خلال الأدب.
ويتضمّن الكتاب كذلك شهادة المخرج السوري محمد ملص، الذي قرأ في أدب صنع الله طاقة سينمائية خفية تنبع من واقعيته المركبة وقدرته على بناء المشهد من الداخل. ويشير إلى أن سرد صنع الله، رغم بساطته الظاهرية، يعتمد على بناء بصري متماسك يجعل القارئ يرى، لا يقرأ فقط، فيتحوّل النصّ إلى شريط من الوعي الاجتماعي المتحرّك.
ولا يخلو الكتاب من لمسة إنسانية خاصة في الحوار الذي أجراه حمزة قناوي مع أم إبراهيم عبد المحسن، المساعدة المنزلية لأسرة صنع الله، التي تتحدث عن أبسط تفاصيل الحياة اليومية في بيته، لتقدّم صورة أخرى للكاتب، في علاقته بالناس والعائلة، وحرصه على المساواة والاحترام الإنساني.
وفي ختام الكتاب، وبعد مجموعة نصوص أخرى وقعتها ليانا بدر وسمية عزام وآخرون، تأتي قصيدة أحمد فؤاد نجم "الله يجازيك يا صنع الله"، لتذكّر بالصداقة والتمرد اللذين اشترك فيهما الشاعر والروائي، إذ يحيّيه نجم بلهجته الشعبية الساخرة التي تجمع الحب والعتاب، وتمثّل جوهر العلاقة بين مبدعين حملا همَّ الكلمة الحرة في زمن القهر.
مشاركة الخبر: صنع الله إبراهيم في مرايا محبّيه... شهادات أدبية وإنسانية على وسائل التواصل من نيوز فور مي