موافقة شكلية لـ"الدعم السريع" على الهدنة للتغطية على الجرائم
تم نشره منذُ 4 اسبوع،
بتاريخ: 09-11-2025 م الساعة 05:00:07 الرابط الدائم: https://newsformy.com/news-2379216.html في :
اخبار سياسية بواسطة المصدر :
العربي الجديد
يتعرض الجيش السوداني لضغوط كبيرة؛ محلية ودولية، للقبول بالهدنة الإنسانية لمدة ثلاثة أشهر، التي اقترحتها اللجنة الرباعية وتضم السعودية والولايات المتحدة ومصر والإمارات، خصوصاً بعد مليشيات الدعم السريع موافقتها على الدخول في الهدنة، بينما لم تعلن الحكومة السودانية التي يقودها الجيش بعد موقفاً قاطعاً حيالها. وقررت الحكومة إخضاع المبادرة لمزيد من النقاش وتكليف لجنة لإعداد رؤيتها حول تسهيل وصول المساعدات الإنسانية ودعم العمل الإنساني وتحقيق السلام في البلاد. بموازاة ذلك تبرز أيضاً ضغوط داخلية ترفض مهادنة "الدعم السريع". وبينما يكتنف الغموض موقف الجيش من قبول الهدنة أو رفضها صراحة، تتواصل المعارك بين الطرفين مع غارات بالطائرات المسيرة طاولت عدداً من الولايات الخاضعة لسيطرة كلّ جانب.
وطرحت اللجنة الرباعية في 12 سبتمبر/أيلول الماضي خريطة طريق لتسوية الأزمة في السودان، تشمل هدنة لثلاثة أشهر تعقبها عملية انتقالية شاملة في البلاد تُختتم خلال تسعة أشهر. وشددت على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع قابل للتطبيق، محذرة من أنّ الوضع الراهن يخلق معاناة غير مقبولة ومخاطر على السلام والأمن. وخلال الأيام الماضية أجرى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، سلسلة من الاجتماعات والاتصالات لوضع اللمسات الأخيرة على مقترح الهدنة الإنسانية التي باتت تنتظر الآن موقف الحكومة السودانية.
مناورة "الدعم السريع"
وأعلنت مليشيا "الدعم السريع" موافقتها على الدخول في الهدنة الإنسانية المقترحة، قائلة في بيان الخميس الماضي، إن موافقتها تأتي تلبية لتطلعات ومصالح الشعب السوداني ولضمان معالجة الآثار الإنسانية الكارثية الناجمة عن الحرب وتعزيز حماية المدنيين، وذلك "من خلال استكمال بنود الاتفاق على الهدنة الإنسانية لإدخال المساعدات الإنسانية وبصورة عاجلة لجميع الشعب السوداني". وأضافت أنها تتطلع إلى تطبيق الاتفاق والشروع مباشرةً في مناقشة ترتيبات وقف العدائيات، والمبادئ الأساسية الحاكمة للمسار السياسي في السودان. لكن عقب ساعات من موافقتها على الهدنة، شنت "الدعم" هجوماً بالمدافع والطائرات المسيّرة على أربع مدن خاضعة لسيطرة الجيش، ما أسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى من المدنيين، إذ طاولت الهجمات مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، ومدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، والدمازين بولاية النيل الأزرق، ومدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، فيما استمرت حتى صباح أمس السبت بهجوم جديد على مدينة الأبيض.
وكان وزير الدفاع السوداني، حسن داؤود كبرون، قد قال في بيان عقب اجتماع لمجلس الأمن والدفاع السوداني الثلاثاء الماضي، إن المجلس أكد الترحيب بالجهود المخلصة التي تدعو لإنهاء معاناة السودانيين التي سببتها "الدعم السريع"، والتي تخوض حرباً مع الجيش منذ 15 إبريل/نيسان 2023. وأضاف أن المجلس شكر حكومة الولايات المتحدة ومستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، مبدياً ترحيبه بأي جهد يُسهم في إنهاء معاناة الشعب. ولفت إلى أن المجلس قرر تكليف لجنة لإعداد رؤية الحكومة حول تسهيل وصول المساعدات الإنسانية ودعم العمل الإنساني واستعادة الأمن والسلام في كل أرجاء البلاد. كما أعلن الوزير في الوقت نفسه استنفار الشعب في إطار التعبئة العامة لمساندة الجيش والقضاء على "الدعم السريع". في موازاة ذلك تعج وسائل التواصل الاجتماعي في السودان بمنشورات مكثفة رافضة للهدنة مع "الدعم السريع"، وأخرى مؤيدة لها ومطالبة بإنهاء الصراع. من جهتها، بدأت "الدعم السريع" الترويج بأن الجيش يريد استمرار الحرب ولا يكترث للضحايا.
في هذا السياق، اعتبر مستشار قائد "الدعم السريع" الباشا طبيق، في منشور على منصة إكس، أول من أمس الجمعة، أن قبولهم (الدعم) بالهدنة الإنسانية المقترحة يؤكد الموقفين العسكري والسياسي الراسخين، حسب وصفه، واللذين تستند إليهما قيادة "الدعم السريع". وأضاف أن هذا القبول يوضح بجلاء أيضاً من هو الطرف الذي أشعل الحرب ويعمل على عرقلة كل المبادرات الإقليمية والدولية الهادفة إلى إيقافها ومعالجة جذور الأزمة السودانية. وتابع: "عليه، فإنّ على المجتمع الدولي والشعب السوداني إدراك الطرف الذي يسعى لاستمرار الحرب وتحويل معاناة المواطنين إلى وسيلة لتحقيق أجنداته الخاصة".
ضغط داخلي وخارجي
وشكلت المواقف الدولية والمحلية المؤيدة للهدنة، إلى جانب موافقة "الدعم السريع"، ضغطاً إضافياً على الجيش. وقد أعلن التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة "صمود" الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، دعمه خريطة طريق دول الرباعية، والتي تبدأ بإقرار هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر في كافة أرجاء السودان. ورحب التحالف في بيان أول من أمس، بموافقة "الدعم السريع" على مقترح الهدنة، داعياً الجيش السوداني إلى أن ينحو المنحى ذاته، "بما يضع حداً لهذه الحرب التي لا طائل منها".
من جهة أخرى قال المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للسودان، رمطان لعمامرة، على "إكس" أول من أمس، إن الهدنة الإنسانية المقترحة في السودان تمثل فرصة نادرة لوقف القتال، وحماية المدنيين، وتخفيف المعاناة الهائلة. وأضاف أن الأمم المتحدة ترحب بكل الجهود الصادقة التي من شأنها أن تخفف من معاناة الشعب السوداني وتجلب له الأمل. وتابع: "نحث جميع الأطراف على اغتنام هذه الفرصة لتغيير مسار البلاد... وندرك صعوبة اتخاذ مثل هذه القرارات في أجواء الحرب الملبّدة، لكنها ضرورية لإنقاذ الأرواح واستعادة الثقة".
وأشار المبعوث الأممي الى أنه "كل يوم يمر من دون ضبط للنفس يجلب مزيداً من المعاناة -عائلات تهرب خوفاً، وجرائم تهز الضمير الإنساني. وقد تتيح الهدنة المستدامة مساحة للحوار ومساراً سياسياً جاداً- وهو الطريق الوحيد نحو سلام عادل ودائم". وشدد على أن الأمم المتحدة تقف على أهبة الاستعداد للعمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتحويل هذه الهدنة المقترحة إلى جسر حقيقي نحو السلام. تأتي هذه الضغوط في ظل توعد قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، بالثأر لكل "الشهداء" الذين سقطوا على يد قوات الدعم السريع، وآخرهم في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور الأيام الماضية، التي بسقوطها الأسبوع الماضي بات كل إقليم دارفور غربي البلاد، خاضعاً لـ"الدعم". وأكد في خطاب عقب اجتماع مع قادة عسكريين الأربعاء الماضي، الاستمرار في قتال "المليشيا المتمردة" حتى القضاء عليها قريباً.
محمد محمود: الدعم السريع" تحاول تحويل الأنظار والاهتمام العالمي عن الفظائع التي ارتكبتها في مدينة الفاشر
التغطية على الجرائم
في هذا الصدد قال الصحافي السوداني، محمد محمود، لـ"العربي الجديد"، إن "الدعم السريع" تحاول الاستفادة من الزخم الذي أحدثه مقترح الهدنة لتحويل الأنظار والاهتمام العالمي عن الفظائع التي ارتكبتها في مدينة الفاشر الأيام الماضية، وما زالت ترتكبها في الخفاء على من تبقى في المدينة". ومنذ استيلائها على مدينة الفاشر في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ارتكبت "الدعم السريع" مجازر بحق مدنيين وفقاً لمنظمات محلية ودولية، فيما أقر قائد قوات "الدعم" محمد حمدان دقلو "حميدتي"، في 29 أكتوبر الماضي، بحدوث تجاوزات في الفاشر، مدعياً فتح تحقيق في هذا الشأن. وقد حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، في بيان أول من أمس، من وضع إنساني حرج لآلاف العائلات النازحة من الفاشر، في أعقاب أعمال العنف الأخيرة، مضيفاً أن وقال إنه في منطقة طويلة والمناطق المحيطة بها، يعيش النازحون في ظروف قاسية للغاية، دون طعام كاف، أو مياه نظيفة، أو مأوى، أو رعاية طبية".
وفي بيان صادر عن 10 خبراء بالأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان، قالت الأمم المتحدة، أول من أمس، إن "قوات الدعم السريع" ارتكبت "فظائع جماعية" تشمل القتل والعنف الجنسي ضد نساء وفتيات في مدينة الفاشر. وفي البيان، أعرب خبراء الأمم المتحدة عن "بالغ قلقهم إزاء تقارير تفيد بارتكاب قوات الدعم السريع فظائع واسعة النطاق في مدينة الفاشر، بما في ذلك قتل المدنيين واستخدام العنف الجنسي القائم على النوع الاجتماعي ضد النساء والفتيات". وأشاروا إلى إفادات شهود عيان بأن "قوات الدعم السريع قامت عند دخولها إلى ملاجئ النازحين قرب جامعة الفاشر، باختيار نساء وفتيات تحت تهديد السلاح، واغتصاب جماعي لما لا يقل عن 25 منهن". كما قامت القوات بـ"إجبار ما لا يقل عن 100 أسرة نازحة على الفرار وسط إطلاق النار، كما جرى ترهيب كبار السن" بحسب البيان.
وكانت الأمم المتحدة أكدت، الاثنين الماضي، استمرار ورود تقارير موثوقة عن أعمال عنف ضد المدنيين في الفاشر، بما في ذلك عمليات إعدام بإجراءات موجزة وعنف جنسي، بعد مرور أكثر من أسبوع على سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر. وأعلن مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، الاثنين الماضي، اتخاذه خطوات فورية لجمع أدلة ذات صلة بالأنباء عن جرائم في مدينة الفاشر، لاستخدامها بملاحقات قضائية. وأعرب مكتب المدعي العام، في بيان، عن قلقه العميق وانزعاجه البالغ إزاء التقارير الواردة من مدينة الفاشر، والتي تتحدث عن "عمليات قتل جماعي واغتصاب وجرائم أخرى يُزعم ارتكابها أثناء هجمات "قوات الدعم السريع". وأشار إلى أن "هذه الفظائع تشكل جزءاً من نمط أوسع من العنف الذي يعصف بإقليم دارفور منذ إبريل/ نيسان 2023"، مضيفاً: "إن ثبتت هذه الادعاءات، فقد ترقى هذه الأفعال إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي (المؤسس للمحكمة)". وتابع البيان: "في إطار التحقيقات الجارية، يتخذ المكتب خطوات فورية فيما يتعلق بالجرائم المزعومة في الفاشر، من أجل جمع الأدلة ذات الصلة وحفظها لاستخدامها في الملاحقات القضائية المستقبلية".
كما رأى محمود أن "الجيش بالفعل يتعرض لضغوط كبيرة يواجهها بالصمت وعدم إصدار رأي واضح حول مقترح الهدنة التي باتت العديد من الدول والمنظمات وعلى رأسها الأمم المتحدة تدعمها لوقف المجاعات والمجازر في البلاد". وفي رأي محمود فإن "البرهان يتعرض لضغوط داخلية أكبر وليس أمامه إلا أن يطلب مهلة بصورة واضحة أو يرفض المقترح ويستمر في القتال حتى إضعاف الدعم السريع وجعلها غير قادرة على شن هجمات جديدة، ثم فرض شروطه من أجل الموافقة على هدنة لا تظهر كانتصار للدعم". وأوضح أن الجيش وحلفاءه يعلمون أن الهدنة وطول فترتها المقترحة بثلاثة أشهر، ربما تصبح مدخلاً لوقف إطلاق النار. كما تؤدي، وفق محمود، إلى تحقيق ما تريده "الدعم" بوقف الأعمال العدائية وفي يدها ولايات إقليم دارفور الخمس، وأجزاء من ولايات أخرى مثل جنوب وشمال وغرب كردفان، ومن ثم المساومة بعملية سياسية، تجعلها جزءاً من المستقبل السياسي في البلاد.
مجدي عبد القيوم: "الدعم" قبول الهدنة هو أمر يخص رعاتها الدوليين قبل الإقليميين
من جهته، رأى المحلل السياسي السوداني، مجدي عبد القيوم، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن محاولات فرض الهدنة نفسها تُعتَبر مرحلة من مراحل الحرب التي يشنها ما وصفه بـ"الاستعمار" بغية نهب موارد وثروات السودان عبر وكلائه الإقليميين والمحليين. وأضاف أن هذه الضغوط تأتي بعد العجز عن هزيمة الجيش السوداني، "لذلك وبعد نهاية المليشيا في الميدان لجأوا إلى الضغوط الدبلوماسية"، وبالتالي اعتبر أنه "ينبغي على الجيش ومن خلفه الدولة كلها، التعاطي مع مقترح الهدنة باعتباره فصلاً من فصول الحرب ينبغي خوضها حتى نهاية الشوط". ولا تملك مليشيا "الدعم السريع، وفق عبد القيوم، أمرها أو إرادتها، وكذلك ما أسماها ملحقاتها السياسية مثل تحالفات "تأسيس" أو "صمود"، موضحاً أنّ "ها بقبول الهدنة هو أمر يخص رعاتها الدوليين قبل الإقليميين". وقال إنّ "على الدولة الاستفادة من التجارب القريبة تاريخياً في مقاومة الاستعمار، فلا تزال التجربة حية".
مشاركة الخبر: موافقة شكلية لـ"الدعم السريع" على الهدنة للتغطية على الجرائم على وسائل التواصل من نيوز فور مي