"الديمقراطيون الاشتراكيون" في أميركا... رافعة فوز ممداني
تم نشره منذُ 1 اسبوع،
بتاريخ: 10-11-2025 م الساعة 05:00:06 الرابط الدائم: https://newsformy.com/news-2379886.html في :
اخبار سياسية بواسطة المصدر :
العربي الجديد
"اليوم لقد تجاوزنا مرحلة الاشتراكيين، ووضعنا الشيوعيين بدلاً منهم. لم يكن ذلك قراراً موفقاً، ولكن كما حذرت منذ سنوات، فإن خصومنا مصممون على تحويل أميركا، إلى كوبا الشيوعية أو فنزويلا الاشتراكية...". هكذا علّق الرئيس الأميركي الجمهوري دونالد ترامب، على فوز زهران ممداني، بانتخابات عمدة نيويورك، التي أجريت الثلاثاء الماضي. انتخابات وفوز حظيا باهتمام عالمي، حيث لا يزال وقع النتيجة يتردد صداه في الولايات المتحدة، ودول غربية عدة، وفي العالم العربي على اعتبار ممداني أول مسلم يفوز بالمنصب، وكذلك في إسرائيل، لكون غزة صوّتت مرة أخرى في انتخابات أميركية، وجعلت هذه المرة الفوز أسهل لمرشح شاب سمّى الإبادة باسمها، بعدما ساهمت في خسارة الديمقراطيين الرئاسة العام الماضي. وبينما يتهم ترامب الديمقراطيين بأنهم أصبحوا إما شيوعيين أو اشتراكيين أو من جماعة اليقظة (ووك)، اتهم الرئيس الديمقراطي السابق جو بايدن، مساء الجمعة (8 نوفمبر/تشرين الثاني)، ترامب بـ"وضع مصالح الأثرياء فوق مصالح الأميركيين العاديين"، في خروج نادر عن صمته منذ فوز سلفه بولاية ثانية. خطابان يمكن وصفهما بالمضلّلَين، ففيما يملك ترامب القاعدة التي بإمكانها فهم آرائه، والتناغم معها، على أساس العداء لكل ما هو يساري، يُنسب لجيل بايدن داخل الحزب الديمقراطي، إبعاد الحزب عن قاعدته الشعبية الصلبة، الطبقة المتوسطة، وأخذه إلى اليمين، ما أعاد بروز حركات تحسب على محور اليسار، ومن بينها "الديمقراطيون الاشتراكيون".
رفع ممداني خلال حملته شعار "نيويورك ليست للبيع"
وسعى ممداني لإعادة البوصلة إلى قاعدة "الأميركيين العاديين"، وقد تضافرت لفوزه بالمنصب، أسباب عدة، من بينها أن مدينة نيويورك لم تعد ملكاً لسكّانها الأصليين، وبالنسبة للحزب الديمقراطي الذي ترشح باسمه، فإن سوء سمعة منافسه الديمقراطي، حاكم ولاية نيويورك السابق أندرو كومو، أسهم في ارتباك الديمقراطيين أنفسهم، فضلاً عن وجود ترامب في البيت الأبيض، ناهيك عن النشاط والتصميم والمثابرة التي أبداها المرشح الشاب، وأصوله المهاجرة التي ألهمت المصوّتين الملونين، والشباب، بالإضافة إلى تأثير العدوان على غزة، الذي ترك منذ عامين بصمة لا يستهان بها، وغير مألوفة، على السياسة الأميركية وميول الأميركيين. وسط كلّ ذلك، لعب عامل آخر دوره في هذه المعادلة، هم "الديمقراطيون الاشتراكيون" في منظمة الديمقراطيين الاشتراكيين الأميركيين (DSA)، وفرعها في نيويورك، والتي ينتمي إليها ممداني. وعاد "الديمقراطيون الاشتراكيون" ليخرجوا من الظلّ إلى دائرة الاهتمام الإعلامي، مع هذا الفوز، تماماً كعودة الحياة إليهم مع بروز نجم بيرني ساندرز قبل أعوام، ما جعل "الاشتراكية" اسماً غير مُنفر في السياسة الأميركية، وأكثر تداولاً بين الأميركيين.
"الديمقراطيون الاشتراكيون"... خلية نحل في نيويورك
ودعم "الديمقراطيون الاشتراكيون الأميركيون" حملة ممداني إلى أقصى الحدود، وعمل فرع المنظمة النيويوركي كـ"أهل العريس"، وكخلية نحل، من أجل إيصاله إلى مبنى "سيتي هول" (مقر البلدية في نيويورك)، فيما غاب الحزب الديمقراطي، بشكل شبه كلّي عن السمع، وعن الحملة، وسط ارتباك واضح، ورفض الكثير من وجوهه القيادية الاعتراف بتقدم العضو في جمعية ولاية نيويورك عن منطقة أستوريا في كوينز، وهو من أصول آسيوية أفريقية، ومسلم، في الانتخابات التمهيدية، بشهر يونيو/حزيران الماضي.
وللمنظمة دور في إيصال عدد من الأميركيين إلى مناصب رسمية في الولايات المتحدة، وليس ممداني أول "الاشتراكيين" الذين اقتحموا الفضاء العام العمومي في البلاد، لكن المنظمة التي تضم حالياً كما تعلن على موقعها الإلكتروني، 90 ألف عضو رسمي، تعد اليوم من أكثر المنظمات الاشتراكية نشاطاً في الولايات المتحدة، وتعتبر نفسها أكبرها، وتعمل على دعم مرشحين عن الحزب الديمقراطي، يتماهون مع أجندتها، سواء أكانوا منتمين إليها أم لا، عملاً بتوجيه مؤسسها، مايكل هارينغتون (1928 – 1989). من بين هؤلاء، الفلسطينية رشيدة طليب، وألكسندرا أوكاسيو كورتيز، وجمال بونان، الذين وصلوا إلى الكونغرس، وقبلهم السيناتور بيرني ساندرز، الذي أعطى دفعاً قوياً للمنظمة في عام 2016، مع ترشحه للرئاسة، دون أن يكون عضواً رسمياً فيها.
ويصعب شرح أجندة "الديمقراطيين الاشتراكيين" في الولايات المتحدة، بعيداً عن أمرين، أولّهما الصراع الذي ظلّ دائراً منذ وقت طويل داخل خريطة مشاريع الحركات الاشتراكية في الولايات المتحدة، بهدف الابتعاد أو التبرؤ من الانتماء أو التأييد أو التمايز عن "الشيوعية" أو "الاشتراكية" العالمية، أو كل ما له علاقة بالاتحاد السوفييتي. ثانيهما، التوافق داخلها، وإن تعدّدت العناوين، على العداء للرأسمالية وللأثرياء. أما الاختلافات، فتدور في فلك التعبئة المعتدلة أو المتطرفة، كمسألة من يريد أو لا يهدف إلى سيطرة الدولة على جميع المؤسسات والقطاعات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، أي تحويل الدولة إلى "شركة التأمين" الحصرية الوحيدة للمواطنين، بلغة الأميركيين، أو اعتماد فنّ "المُمكن"، وفق تعبير هارينغتون، الذي دعا للتصويت للديمقراطيين الذين يقتربون من طروحات منظمته.
ومن الاختلافات، العداء للصهيونية ولإسرائيل، أو التأييد. وكان هارينغتون نفسه، الذي كتب عنه أنه كان صديقاً للرئيس ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز، يعدّ "صهيونياً"، لكنه نادى بحلّ الدولتين، فيما تعدّ المنظمة اليوم، من الأشدّ عداء لإسرائيل، وللصهيونية، ومؤيدة قوية لحركات المقاطعة بي دي أس. ومن بين ما تتهمها به الحركات الصهيونية في الولايات المتحدة، ودوائر الإعلام والسياسة والتأثير المرتبطة بها، أنها تمتحن الأعضاء المحتملين بأسئلة حول موقفهم من القضية الفلسطينية وتأييدهم لحركات المقاطعة، وأن بعض مجموعاتها المحلية (في المناطق والولايات المسماة Chambers)، هلّلت وباركت عملية حركة حماس على مستوطنات غلاف غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وهنا، يجب الإشارة إلى أهمية الصوت اليهودي الأميركي المعادي لإسرائيل وللصهيونية، في دعم مثل هذه الحركات، وأهمية التبدلات التي طرأت عليها نتيجة توجهات الشباب.
يبقى الهدف الأساس للديمقراطيين الاشتراكيين محاربة الأغنياء وجعل القوة الأساسية بيد الدولة ونقل الحكم من الشركات إلى الطبقة العاملة
"اشتراكية" واقعية
وتندرج المنظمة ضمن فئة غير الربحية وفق قانون العائدات المحلية، والتي من بينها تلك التي تروجّ الأمان الاجتماعي، أي أنها معفية من دفع الضرائب. نشأت في العام 1982، مع اندماج كلّ من لجنة التنظيم الديمقراطية الاشتراكية (DSOC) التي أسّسها هارينغون بدايةً، والحركة الأميركية الجديدة (NAM)، التي تأسست في عام 1971، وكانت معارضة لحرب فيتنام. أما ممداني، فاقتبس في خطاب الاحتفال بالفوز، من كلام الزعيم الاشتراكي الأميركي الراحل أوجين ديبز (1855 – 1925). وكان ديبز، مرشحاً اشتراكياً للرئاسة خمس مرات، أسّس الحزب الاشتراكي الأميركي، وأكثر ما عرف به قيادته إضراباً واسعاً لعمّال سكك الحديد. و"لجنة التنظيم الديمقراطية الاشتراكية" التي تأسست في 1973، كانت قد انشقت عن الحزب الاشتراكي الأميركي، الذي عرف أيضاً القيادي الاشتراكي نورمان توماس.
يملك "الديمقراطيون الاشتراكيون" اليوم فرعاً شبابياً (youth democratic socialist of America)، ينشط في الجامعات والثانويات، للترويج للعدالة الاقتصادية، والديمقراطية، ويعمل على مشاريع بشأن تعزيز العدالة داخل السجون، كما تقول على موقعها الإلكتروني. وبحسب معظم التعريفات عنها، فإنها تملك هيكلية غير مركزية، حيث لتجمعاتها المحلية السلطة الأعلى، وأحياناً وفق أيديولوجيات تذهب بعضها إلى أقصى اليسار. أما أجندتها الرسمية، فإنعاش النقاش بشأن العدالة الاجتماعية، وعلى رأسها اليوم "تفعيل الطبابة والتعليم المجاني للجميع"، و"الصفقة الخضراء الجديدة" (اقتباساً من الصفقة الجديدة التي أطلقت في الولايات المتحدة بين عامي 1933 و1936 في عهد فرانكلين روزفلت والتي ضمّت مشاريع اقتصادية وإنعاشية وإصلاحية)، إضافة إلى إعادة إحياء عمل النقابات، وتجريد المحكمة العليا من سلطتها. لكن الهدف الأبعد، يبقى محاربة الأغنياء وجعل القوة الأساسية بيد الدولة ونقل الحكم من الشركات إلى الطبقة العاملة.
رفع ممداني خلال حملته شعار "نيويورك ليست للبيع" ليرمي هدفاً في شباك الديمقراطيين، والذين قال مركز غالوب في استطلاع رأي له في سبتمبر/أيلول الماضي، إن ثلثي قاعدتهم باتت تنظر إيجاباً لكلمة الاشتراكية، في ارتفاع عن 50% في 2010. في تقرير له، نشره في 7 نوفمبر الحالي، بعد رئيسة مجلس النواب الأميركي السابقة عن الحزب، نانسي بيلوسي، عزمها اعتزال العمل السياسي، ركز موقع جاكوبين اليساري الأميركي، الضوء، على دور بيلوسي، وجيلها من الديمقراطيين، في صعود التيار الليبرالي داخل الحزب، المرتبط ارتباطاً وثيقاً مع عالم المال والأعمال والأثرياء، على حساب القاعدة الصلبة من الطبقة الوسطى والعمّال. اليوم، يبدو أن الحزب الديمقراطي في رحلة البحث عن نفسه مجدداً، ويأتي فوز ممداني مثالاً لصعوبة المرحلة التي يمرّ بها، بين جيلين أو أكثر، وصولاً إلى جيل الشباب، وهو بالنسبة لمتابعين كثر، عليه أن يحدّد الطريق للمضي قدماً، والتعامل مع ظاهرة صعود اليساريين، ليس انتخابياً فقط بل أيديولوجياً. في المقابل، يصعب على حركات مثل منظمة الديمقراطيين الاشتراكيين أن تتحول إلى أحزاب، في الولايات المتحدة، التي يدوّر حزباها الرئيسيان نفسيهما كلّما مرّا بحالة ضعف، ولكن بهدف الإبقاء على عجلة النظام نفسها. الدولة الرأسمالية المتربعة على أكبر اقتصاد في العالم، والتي كثيراً ما توصف بأنها دولة تحيا وتحكم بعملٍ منتظم لملايين الشركات، لن تمضغ بسهولة صعود أي يسار. اليوم يعيش "الديمقراطيون الاشتراكيون" نشوة فوز يرونه استثنائياً، وفرصة جديدة للاختراق، وتوسيع النفوذ داخل الحزب الديمقراطي، وهو ما سيتضح أكثر في الانتخابات النصفية المقبلة.
مشاركة الخبر: "الديمقراطيون الاشتراكيون" في أميركا... رافعة فوز ممداني على وسائل التواصل من نيوز فور مي