يا غزّة، ماذا فعلت الأيام بوفائي؟

يا غزّة، ماذا فعلت الأيام بوفائي؟

15 فبراير 2024
طفل فلسطيني أًصيب في غارة إسرائيلية على مدينة رفح، 12 شباط/ فبراير 2024 (Getty)
+ الخط -

هذا ما كان يُراهن عليه نظام الإبادة الصهيوني حين فكر أنّ تكرار أخبار المجازر مع الوقت سيجعل الأمر طبيعيّاً، وسيعتاد المناصرون على القتل، وتتسمّم قلوبهم، ثم يشيحون بعيونهم عن المجازر، فتنتهي مناصرة الغزيين، ويفتك جيش الاحتلال بأجسادهم ووجودهم ومستقبلهم. ندخل في الشهر الخامس، ومعنا حصيلة من الأرقام، وحزمات مجازر لا تنتهي.

لن يحتمل أيُّ إنسانٍ أن يراقب كلّ هذا الموت اليومي، وإن حدث، ولصقت نفسك أمام شاشة التلفاز حتى تضمن أنّك لن تتحرّك من أمامه، من أمام العذاب على هيئة مانشيتات وصور قتلى، لن يحتمل جسدك كلّ ذلك. سينهار فجأة، وتذهب إلى الطبيب، وسيوصيك بألّا تجهد نفسك، وأن تقاطع الأخبار المزعجة، والصور الدموية، وسينتهي أهل غزّة وحيدين في خيامٍ بأرضيات من الوحل، عُرضة للبرد والجوع والقتل والموت في العراء.

أحاول أن أستعين اليوم بقصيدة للشاعر الفلسطيني نجوان درويش، يحاسب فيها نفسه على نسيانه لذكرى صديقه الشاعر العراقي عبد الأمير جرص. يحاسبها على تأخّره في الوفاء بنشر أعمال جرص الشعرية، والذي حين مات منفياً في كندا كانت أعماله في بيت فلسطيني في القدس أو في حيفا، تنتظر أن ترجع من هناك إلى العراق على هيئة كتاب:

"اليوم عثرتُ على دفترك في غرفة الغسيل
وقد طالَهُ الغبارُ في بيت "صديقك الوفيّ"
إذاً، ما حالها كلماتك في بيوت الانتهازيّين- أولئك
الذين كنت تطلعُ عليهم طلوعَ الشمس على الخديعة؟
أرأيت ماذا فعلت السنينُ بوفائي؟".

مجازر جديدة في غزّة بينما تكاد تصير خبراً ثانويّاً في حياتي

عثرتُ اليوم على مجازر جديدةٍ ضدّ أهل غزّة، بينما تكاد تصير أخبارها شيئاً ثانويّاً في حياتي، فسألتُ نفسي: ماذا فعلت أشهر قليلة بوفائي؟ ربّما أزعم أنّي أملك قرائن تدلّ على محبّتي للقضية، مثلاً أن أكون قد خسرت وزني على نحو مفاجئ، أو ربّما اعتلال جسدي وقلّة مقاومته للأمراض خلال الأشهر الأخيرة الماضية؟

لكن هل هذا يكفي؟ هل سينفع صديقي الغزّي الذي يتلحّف نفسه في البرد؟ هل أُقنع نفسي كما يفعل كثيرون بأنّ ليس في أيدينا سوى "الدعاء"؟ هل أصبحَت إبادة أهل فلسطين أمراً طبيعياً تعوّدوا وتعوّدنا عليه؟! هل نتركهم وحيدين لأنّنا مللنا من دعم القضية؟ كأنَّ كلامنا على صفحات التواصل يُعتبر دعماً! هل مللنا من التكلّم عن فلسطين، في وقت لا يملّ أهل فلسطين من العيش تحت صواريخ الصهاينة؟ وهل نحن بمأمن ممّا يحدث؟ هل سننجو من دون فلسطين؟

من قال لكم ذلك، أنا لا أعرف حقّاً طريقة مُجدية تفي بحقّ فلسطين عليّ، ولا أعرف طريقة جادّة تلمس قلب الطفل الذي يرتجف من البرد الآن، ولا أعتقد أنّ هناك قيمة لوفائي وحبّي أهم من الدفء الذي يحتاج إليه، لكنّي أكتب له من بعيد، أكتب له من أجل نفسي، كي لا أشعر أنّني تركت دفتر صديقي في غرفة الغسيل.


* كاتب من العراق

المساهمون